قراءة تاريخية في تجربة مصطفى بن إسماعيل وفرق الدوير والزمالة
شهدت الجزائر منذ السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي (1830) اعتماد الإدارة الاستعمارية على سياسة استقطاب بعض القيادات المحلية والقبائل، بهدف تسهيل بسط نفوذها العسكري والإداري. وقد تمثلت إحدى أبرز أدوات هذه السياسة في إنشاء تشكيلات عسكرية محلية عرفت لاحقًا باسم “القومية” (Les Goums)، وهي وحدات من الأهالي جندتها فرنسا لخدمة مصالحها العسكرية في مواجهة المقاومات الجزائرية.
ومن الشخصيات التي ارتبط اسمها ببدايات هذه التشكيلات الأغا مصطفى بن إسماعيل، الذي يعد من أوائل القادة المحليين الذين دخلوا في تحالف عسكري مع القوات الفرنسية في منطقة وهران، غير أن وصفه بأنه “أول حركي في الجزائر” هو توصيف حديث يحمل حمولة سياسية وشعبية، ولم يكن مصطلح الحركي مستخدمًا في القرن التاسع عشر، إذ ارتبط تاريخيًا بمتعاوني فرنسا خلال ثورة التحرير (1954-1962).
مصطفى بن إسماعيل وتحالفه مع الفرنسيين
بعد احتلال الجزائر العاصمة سنة 1830، سعت القيادة الفرنسية إلى توسيع نفوذها غربًا نحو وهران ومعسكر، غير أنها واجهت مقاومة قوية من القبائل ومن الأمير عبد القادر لاحقًا.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن مصطفى بن إسماعيل، وهو أحد أعيان منطقة وهران، عرض خدماته على الفرنسيين في أوت 1830، لكن القيادة العسكرية الفرنسية لم تكن آنذاك قد بلورت بعد سياسة الاعتماد على قوات الأهالي، ولذلك لم تستجب لعرضه في البداية.
ومع تصاعد العمليات العسكرية غرب البلاد والحاجة إلى فرسان يعرفون المنطقة، قبلت فرنسا خدماته، وأسندت إليه قيادة عدد من الفرسان المنتمين إلى قبائل الدوير والزمالة، اللتين أقامتا تحالفًا رسميًا مع الفرنسيين سنة 1835.
فرق القومية (Les Goums)
عرفت هذه الوحدات باسم القومية، وهي تشكيلات غير نظامية من الفرسان الجزائريين كانت تعمل تحت القيادة الفرنسية، وتكلف بمهام متعددة، منها:
- الاستطلاع وجمع المعلومات.
- ملاحقة المقاومين.
- حماية طرق الإمداد.
- المشاركة في الحملات العسكرية.
- فرض سلطة الإدارة الاستعمارية داخل المناطق الخاضعة للاحتلال.
وقد شاركت قوات مصطفى بن إسماعيل في عدة حملات عسكرية، من أبرزها الحملة التي قادها الجنرال برتران كلوزيل نحو مدينة معسكر، حيث تشير المصادر الفرنسية إلى مشاركة نحو 500 فارس وقرابة 800 جمل محملة بالمؤن دعماً للقوات الفرنسية.

الترقي داخل الجيش الفرنسي
كافأت السلطات الاستعمارية مصطفى بن إسماعيل بمنحه رتبًا وأوسمة متعددة، حتى أصبح من كبار الضباط الجزائريين العاملين في خدمة فرنسا خلال القرن التاسع عشر.
وتذكر بعض المصادر أنه بلغ رتبة جنرال (Général)، بينما تشير دراسات أخرى إلى أنه كان يحمل رتبة أغا ثم باشاغا قبل أن يمنح ألقابًا وتشريفات عسكرية فرنسية رفيعة. ولذلك فإن مسألة بلوغه رتبة “جنرال” تستوجب التدقيق بحسب الوثائق العسكرية الفرنسية، إذ لا يوجد إجماع أكاديمي حول هذه النقطة.
القومية في الشرق الجزائري
لم يقتصر إنشاء فرق القومية على الغرب الجزائري، بل توسعت التجربة إلى الشرق، حيث اعتمدت فرنسا على شخصيات نافذة، من أبرزها:
- شيخ العرب أحمد بن ڤانة بمنطقة الزيبان.
- عدد من القيادات المحلية المتحالفة مع الجنرال غالبو (Galbois) وغيرهم من قادة الجيش الفرنسي.
وقد لعبت هذه القوات دورًا مهمًا في الحملات العسكرية ضد المقاومات الشعبية، ومن أشهرها:
- مقاومة الزعاطشة سنة 1849.
- مقاومات الزيبان.
- مقاومات الأوراس.
- ملاحقة الشيخ الصادق بن الحاج.
وقد ارتبط اسم بن ڤانة في الذاكرة الوطنية بمساندة الحملات الفرنسية التي انتهت بسقوط الزعاطشة بعد حصار طويل ومجازر واسعة ارتكبها الجيش الفرنسي.
استمرار فرق القومية
استمرت فرق القومية في العمل طوال فترة الاحتلال الفرنسي، مع تغير تنظيمها وتسمياتها، وأصبحت جزءًا من المنظومة العسكرية والإدارية الاستعمارية.
ومع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، استعانت فرنسا مجددًا بقوات جزائرية مسلحة، لكن هذه الفئة عرفت آنذاك باسم الحركى (Harkis)، وهو تنظيم مختلف تاريخيًا عن القومية، وإن اشترك معها في خدمة السلطة الاستعمارية.
ولهذا يميز المؤرخون بين:
- القومية (Les Goums): ظهرت منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر.
- الحركى (Les Harkis): ظهرت خلال حرب التحرير الجزائرية.
القومية في الذاكرة الشعبية
أصبحت كلمة القومي في مناطق عديدة من الجزائر تحمل دلالة سلبية، وأصبحت تستعمل شعبيًا للدلالة على:
- الخائن.
- العميل.
- المتعاون مع المستعمر.
إلا أن هذه الدلالة تنتمي إلى الذاكرة الشعبية أكثر من انتمائها إلى الاصطلاح التاريخي، ولذلك يقتضي البحث الأكاديمي التمييز بين الوصف التاريخي والأحكام الأخلاقية، مع التأكيد على أن غالبية الجزائريين اختارت طريق المقاومة والتضحية في سبيل استقلال الوطن.
خاتمة
اعتمد الاحتلال الفرنسي منذ بداياته على سياسة تجنيد قوات محلية لمواجهة المقاومات الجزائرية، وكانت فرق القومية إحدى أهم أدوات هذه السياسة. ويعد مصطفى بن إسماعيل من أوائل الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا المسار في الغرب الجزائري، كما لعب أحمد بن ڤانة دورًا مماثلًا في الشرق.
ومع ذلك، فإن استعمال مصطلح “الحركي” لوصف شخصيات القرن التاسع عشر يعد استعمالًا مجازيًا في الخطاب الشعبي، بينما يفضل المؤرخون استخدام المصطلحات التي كانت سائدة في زمنها، مثل القومية أو الفرسان المساعدين أو Les Goums، حفاظًا على الدقة التاريخية.
المراجع
- Charles-Robert Ageron, Histoire de l’Algérie contemporaine, Presses Universitaires de France.
- Charles-André Julien, Histoire de l’Algérie contemporaine, PUF.
- Daniel Rivet, Le Maghreb à l’épreuve de la colonisation, Hachette.
- Mahfoud Kaddache, L’Algérie durant la période coloniale (1830-1954).
- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي.
- محمد الأمين بلغيث، تاريخ الجزائر الحديث.
- Archives nationales d’outre-mer (ANOM)، ملفات الإدارة العسكرية الفرنسية الخاصة بالدوير والزمالة ووحدات Les Goums.
