مقدمة
يُعد الشيخ محمد الطاهر آيت علجت (1917–2023) أحد أبرز علماء الجزائر في العصر الحديث، ومن الشخصيات التي جسدت وحدة الرسالة العلمية والالتزام الوطني خلال فترة الثورة التحريرية الجزائرية (1954–1962). فقد جمع بين التكوين الشرعي العميق، والعمل الإصلاحي المستمد من مدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والمشاركة الميدانية في صفوف جيش التحرير الوطني، حيث تولى مهام القضاء الشرعي والإرشاد الديني في الولاية التاريخية الثالثة، وأسهم في ترسيخ القيم الأخلاقية والعدالة داخل صفوف المجاهدين.
وتُبرز سيرته أن الثورة الجزائرية لم تكن عملاً عسكريًا فحسب، بل كانت مشروعًا حضاريًا شارك فيه العلماء إلى جانب المجاهدين، دفاعًا عن الدين والوطن والهوية.
النشأة والتكوين العلمي
وُلد الشيخ محمد الطاهر آيت علجت سنة 1917 بقرية تاموقرة التابعة لمنطقة بني عيدل (ولاية بجاية حاليًا)، في بيئة عُرفت بالتمسك بالعلم والقرآن. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم واصل تحصيله العلمي في زاوية سيدي يحيى العيدلي، التي كانت من أهم المؤسسات العلمية في منطقة القبائل، وأسهمت في تكوين أجيال من العلماء والدعاة.

انتقل بعد ذلك إلى قسنطينة، حيث درس علوم الشريعة والفقه وأصول الدين واللغة العربية والأدب، كما تلقى دروسًا في الرياضيات وبعض العلوم العقلية المتداولة آنذاك. وخلال إقامته بقسنطينة، تأثر بالحركة الإصلاحية التي كان يقودها الإمام عبد الحميد بن باديس، وحضر عددًا من دروسه، وهو ما أسهم في ترسيخ منهجه الإصلاحي القائم على الجمع بين الأصالة والتجديد، والدفاع عن مقومات الشخصية الوطنية الجزائرية.
من رحاب الزاوية إلى ميادين الثورة
مع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، ظل الشيخ يؤدي رسالته العلمية والدعوية، غير أن تصاعد القمع الاستعماري، ولا سيما استهداف المؤسسات الدينية والتعليمية، دفعه إلى الانخراط المباشر في الثورة.
وتُعد سنة 1956 محطة مفصلية في حياته، إذ تعرضت زاوية سيدي يحيى العيدلي للقصف من قبل القوات الفرنسية في إطار سياسة استهدفت مراكز التعليم الديني التي كانت تؤوي المجاهدين أو تُساند الثورة. وأدى ذلك إلى التحاق الشيخ محمد الطاهر آيت علجت وعدد كبير من طلبة الزاوية بصفوف جيش التحرير الوطني.

القضاء الشرعي في الولاية التاريخية الثالثة
لم يكن دور الشيخ داخل الثورة عسكريًا بالمعنى التقليدي، بل كان دورًا علميًا وقضائيًا بالغ الأهمية. فقد عُيّن قاضيًا شرعيًا في صفوف جيش التحرير الوطني بالولاية التاريخية الثالثة، وهي إحدى أكثر الولايات نشاطًا خلال الثورة.
وتضمنت مهامه:
- الفصل في الخصومات بين المجاهدين.
- إصدار الأحكام الشرعية وفق مبادئ الفقه الإسلامي.
- الإشراف على قضايا الأسرة والزواج والمواريث في المناطق المحررة عند الحاجة.
- الإرشاد الديني والتوجيه الأخلاقي للمجاهدين.
- ترسيخ قيم الانضباط والعدل داخل صفوف جيش التحرير الوطني.
وتُبرز هذه المهام حرص قيادة الثورة على إرساء مؤسسات تنظيمية وقضائية داخل المناطق المحررة، بما يعكس البعد السياسي والمؤسساتي للثورة الجزائرية.
الانتقال إلى تونس وليبيا
في أواخر سنة 1957، وبناءً على توجيهات قائد الولاية الثالثة العقيد عميروش آيت حمودة، غادر الشيخ الجزائر متوجهًا إلى تونس، حيث واصل نشاطه ضمن هياكل جبهة التحرير الوطني.
ثم انتقل إلى طرابلس بليبيا، وعُيّن عضوًا في مكتب جبهة التحرير الوطني، مسهمًا في دعم النشاط السياسي والإعلامي للثورة، والتعريف بعدالة القضية الجزائرية، والتواصل مع مختلف الهيئات والشخصيات الداعمة لنضال الشعب الجزائري.
دوره العلمي بعد الاستقلال
بعد استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962، عاد الشيخ محمد الطاهر آيت علجت إلى رسالته الأساسية في التعليم والإفتاء والإصلاح. فقد كرّس حياته لتدريس العلوم الشرعية، والإجابة عن فتاوى المواطنين، وإلقاء الدروس والمحاضرات، وظل مرجعًا علميًا يحظى باحترام واسع داخل الجزائر وخارجها.
وتخرّج على يديه عدد كبير من طلبة العلم الذين أصبح بعضهم علماء وأساتذة جامعيين، كما استفاد من علمه عدد من الشخصيات الفكرية والوطنية، من بينهم الوزير والمفكر مولود قاسم نايت بلقاسم، إضافة إلى علماء وباحثين آخرين.
وظل الشيخ محافظًا على منهجه الوسطي المعتدل، وداعيًا إلى التمسك بالوحدة الوطنية والهوية الإسلامية، حتى وفاته يوم 5 ديسمبر 2023 عن عمر ناهز 106 سنوات.
خاتمة
تمثل سيرة الشيخ محمد الطاهر آيت علجت نموذجًا للعالم المجاهد الذي جمع بين العلم والعمل، وبين الإصلاح الديني والكفاح الوطني. فقد أسهم خلال الثورة الجزائرية في ترسيخ العدالة والانضباط داخل صفوف جيش التحرير الوطني من خلال منصبه قاضيًا شرعيًا، ثم واصل بعد الاستقلال أداء رسالته العلمية والتربوية لأكثر من ستة عقود.
وتبقى سيرته شاهدًا على الدور الذي اضطلع به علماء الجزائر في الدفاع عن الوطن، ليس بالسلاح وحده، بل أيضًا بالعلم والقضاء والتوجيه، وهو ما يجعل دراسة حياته جزءًا أساسيًا من تاريخ الثورة الجزائرية والحركة الإصلاحية.
المراجع الموثوقة
- ، موسوعة الثورة الجزائرية.
- ، تراجم علماء الجمعية ووثائقها.
- أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، الأجزاء المتعلقة بالحركة الإصلاحية وعلماء الجزائر.
- شهادات الشيخ محمد الطاهر آيت علجت المنشورة في جريدة البصائر، وفي الحوارات التلفزيونية مع التلفزيون الجزائري، والتي تناول فيها مشاركته في الثورة التحريرية ومسيرته العلمية.
